المقريزي

196

إمتاع الأسماع

وخرج البخاري من حديث عبد الوارث عن أبي التياح عن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير : أحسبه فطيم ، وكان إذا جاء قال : يا أبا عمير : ما فعل النغير ؟ - نغر كان يلعب به - فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا ، فيأمر بالبساط الذي تحته ، فيكنس وينضح ، ثم يقوم ونقوم خلفه ، فيصلي بنا . ترجم عليه ( باب الكنية للصبي ) . وخرجه مسلم ولفظه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ، وكان لي أخ يقال له : أبو عمير قال : وأحسبه قال : كان فطيما ، فكان إذا جاء رسول الله فرآه قال : أبا عمير ، ما فعل النغير ؟ قال : فكان يلعب به . وخرجه أبو داود من حديث حماد قال : حدثنا ثابت عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل علينا ولي أخ صغير يكني أبا عمير ، وكان له نغر يلعب به فمات ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فرآه حزينا ، فقال : ما شانه ؟ قالوا : مات نغره ! فقال : ( يا أبا عمير ، ما فعل النغير ؟ ) ترجم عليه . ( باب الرجل يتكنى وليس له ولد ) ( 1 ) . وفي هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستون وجها ، جمعها أبو العباس أحمد بن القاص الفقيه الشافعي في جزء .

--> ( 1 ) أبو عمير هذا - بضم العين وفتح الميم وسكون الياء - هو أخو أنس بن مالك لأمه ، أمهما : أم سليم ، لا يعرف له اسم ، وتوفي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي توفي وجرى لأم سليم مع زوجها أبي طلحة فيه ما جرى ، [ يراجع ذلك في أبواب الجنائز من كتب السنن ] ، والنغر ( بضم النون وفتح الغين ) : طائر صغير يجمع على النغران . أخرجه أبو داود في ( السنن ) كتاب الأدب باب ما جاء في الرجل يتكنى وليس له ولد ، و ( البخاري ) في الأدب باب الانبساط إلى الناس ، و ( مسلم ) في الأدب باب استحباب تحنيك المولود ، و ( الترمذي ) في الصلاة باب ما جاء في الصلاة على البسط وقال : وحديث أنس صحيح - ، وفي البر باب ما جاء في المزاح ، و ( ابن ماجة ) في الأدب باب المزاح - ، من حديث أبي التياح - يزيد ابن حميد الضبعي - عن أنس بن مالك ، ونسبه ( المنذري للنسائي أيضا ) . " * " هو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد المعروف بابن القاص ، الطبري ، الفقيه الشافعي ، وعرف والده بالقاص لأنه كان يقص الأخبار . كان ابن القاص إمام وقته في طبرستان ، وأخذ الفقه عن ابن شريح ، وصنف كتبا كثيرة ، منها : ( التلخيص ) ، و ( أدب القاضي ) ، و ( المفتاح ) ، وغير ذلك . وجميع تصانيفه صغيرة الحجم ، كثيرة الفائدة ، وكان يعظ الناس ، فانتهى إلى طرسوس ، وقيل : إنه تولى القضاء بها ، فعقد له مجلس وعظ ، وأدركته رقة وخشية وروعة من ذكر الله تعالى ، فخر مغشيا عليه ، ومات سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة . ( النجوم الزاهرة ) و ( شذرات الذهب ) و ( طبقات الشافعية للسبكي ) و ( وفيات الأعيان ) و ( سير أعلام النبلاء ) و ( الأنساب ) . قال أبو العباس بن القاص رحمه الله تعالى : وفيما روينا من قصة أبي عمير ستون وجها من الفقه والسنة ، وفنون الفائدة والحكمة ، فمن ذلك : [ 1 ] أن سنة الماشي أن لا يتبختر في مشيته ولا يتبطأ فيها ، فإنه صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى توكأ كأنما ينحدر من صبب . [ 2 ] ومنها أن الزيارة سنة . [ 3 ] ومنها الرخصة للرجال في زيارة النساء غير ذوات المحارم ( إذا لم تكن شابة وأمنت الفتنة ) . [ 4 ] ومنها زيارة الحاكم للرعية . [ 5 ] ومنها أنه إذا اختص الحاكم بالزيارة والمخالطة بعض الرعية دون بعض فليس ذلك بميل ، وقد كان بعض أهل العلم يكره للحكام ذلك . [ 6 ] وإذا ثبت ما وصفنا كان فيه وجه من تواضع الحاكم للرعية . [ 7 ] وفيه دليل على كراهية الحجاب للحكام . [ 8 ] وفيه دليل أن الحاكم يجوز له أن يسير وحده . [ 9 ] وأن أصحاب المقارع بين يدي الحكام والأمراء محدثة مكروهة ، لما روي في الخبر : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بمنى على ناقة له ، لا ضرب ولا طرد ، ولا إليك إليك . [ 10 ] وفي قوله : يغشانا ما يدل على كثرة زيارته لهم . [ 11 ] وأن كثرة الزيارة لا تخلق الحب والمودة ولا تنقصها إذا لم يكن معها طمع . [ 12 ] وأن قوله عليه السلام لأبي هريرة : ( زر غبا تزدد حبا ، كما قاله بعض أهل العلم لما رأى في زيارته من الطمع لما كان بأبي هريرة من الفقر والحاجة حتى دعا له النبي صلى الله عليه وسلم في مزودة ، وكان لا يدخل فيها يده إلا أخذ حاجته فحصلت له الزيارة دون الطمع . [ 13 ] وفي قوله : ( يخالطنا ) ، ما يدل على الألفة ، بخلاف النفور ، وذلك من صفة المؤمن ، كما روي في بعض الأخبار : المؤمن ألوف والمنافق نفور . [ 14 ] ومنها ما روي في الخبر : ( فر من الناس فرارك من الأسد ) ، إذا كانت في لقيهم مضرة لا على العموم ، فأما إذا كانت فيه للمسلمين ألفة ومودة فالمخالطة أولى . [ 15 ] وفيه دلالة على الفرق بين شباب النساء وعجائزهن في المعاشرة ، إذ اعتذر النبي صلى الله عليه وسلم إلى من رآه واقفا مع صفية ، ولم يعتذر من زيارته أم سليم ، بل كان يغشاهم الكثير . [ 16 ] وفي قوله : ( ما مسست شيئا قط ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : ما يدل على مصافحته ، وإذا ثبتت المصافحة ، دل على تسليم الزائر إذا دخل . [ 17 ] ودل على مصافحته ، [ 18 ] ودل على أن يصافح الرجل دون المرأة ، لأنه لم يقل : ( فما مسسنا ) وإنما قال : ( ما مسست ) ، وكذلك كانت سنته صلى الله عليه وسلم في التسليم على النساء ومبايعته ، إنما كان يصافح الرجال دونهن . [ 19 ] وفي لين كفه ما يدل على أنه لا ينبغي أن يعتمد المصلي إلى شدة الاعتماد على اليدين في السجود ، كما اختار ذلك بعضهم ، لما وجد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان شثن الكفين والقدمين ، فقال : ينبغي أن يعتمد إلى شدة الاعتماد على اليدين في السجود ، ليؤثر على يديه دون جبهته . [ 20 ] وفيه ما يدل على الاختيار للزائر إذا دخل على المزور . [ 21 ] وفيه ما يدل على ما قاله بعضهم أن الاختيار في السنة الصلاة على البساط والجريد والحصير ، وقد قيل في بعض الأخبار أنه كان حصيرا باليا ، وذلك أن بعض الناس كان يكره الصلاة على الحصير ، وينزع بقول الله تعالى : ( وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) . [ 22 ] وفي نضحهم ذلك له وصلاته عليه مع علمه صلى الله عليه وسلم أن في البيت صبيا صغيرا ، دليل على أن السنة ترك التعزر . [ 23 ] ودليل على أن الأشياء على الطهارة حتى يعلم يقين النجاسة . [ 24 ] وفي نضحهم البساط لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل على أن الاختيار للمصلي أن يقوم في صلاته على أروح الحال وأمكنها ، لا على أجهدها وأشدها ، لئلا يشغله الجهد عما عليه من أدب الصلاة وخشوعها ، كما أمر الجائع أن يبدأ بالطعام قبل الصلاة ، خلاف ما زعم بعض المجتهدين ، إذ زعم أن الاختيار له أن يقوم على أجهد الحال ، كما سمع في بعض الأخبار أنهم لبسوا المسح إذا قاموا من الليل وقيدوا أقدامهم . [ 25 ] وفي صلاته في بيتهم ليأخذوا علمها دليل على جواز حمل العالم علمه إلى أهله : إذا لم يكن فيه على العلم مذلة ، وأما روى في أن : ( العلم يؤتى ولا يأتي ) : إذا كانت فيه للعلم مذلة ، أو كان من المتعلم على العالم تطاول . [ 26 ] وفيه دلالة اختصاص لآل أبي طلحة ، إذ صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتهم . [ 27 ] وأخذهم قبلة بيتهم بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الدلائل والعلامات . [ 28 ] وفي قوله : ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء مازحه ) ، ما يدل على أنه كان يمازحه كثيرا ، وإذا كان كذلك كان في ذلك شيئان : [ 29 ] أحدهما : أن ممازحة الصبيان مباح . [ 30 ] والثاني : أنها إباحة سنة لا إباحة رخصة ، لأنها لو كانت إباحة رخصة لأشبه أن لا يكثرها ، كما قال في مسح الحصى للمصلى : ( فإن كنت لا بد فاعلا فمرة ) ، لأنها كانت رخصة لا سنة . [ 31 ] وفيه - إذ مازحه صلى الله عليه وسلم - ما يدل على ترك التكبر والترفع . [ 32 ] وما يدل على حسن الخلق . [ 33 ] وفيه دليل على أنه يجوز أن يختلف حال المؤمن في المنزل من حاله إذا برز ، فيكون في المنزل أكثر مزاحا ، وإذا خرج أكثر سكينة ووقارا - إلا من طريق الرياء - كما روي في بعض الأخبار : كان زيد بن ثابت من أفكه الناس إذا خلا بأهله ، وأزمتهم عند الناس . [ 34 ] وإذا كان ذلك كما وصفنا ففيه دليل على أن ما روي في صفة المنافق أنه يخالف سره علانيته ليس على العموم ، وإنما هو على معنى الرياء والنفاق ، كما قال جل ثناؤه : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ) . [ 35 ] وفي قوله : ( فرآه حزينا ) : ما يدل على إثبات التفرس في الوجوه . وقد احتج بهذا المعنى بعض أهل الفراسة بما يطول ذكره . [ 36 ] وفيه دليل على الاستدلال بالعبرة لأهلها ، إذ استدل صلى الله عليه وسلم بالحزن الظاهر في وجهه على الحزن الكامن في قلبه ، حتى حداه على سؤال حاله . [ 37 ] وفي قوله : ( ما بال أبي عمير ؟ ) دليل على أن من السنة إذا رأيت أخاك أن تسأل عن حاله . [ 38 ] وفيه دليل - كما قال بعض أهل العلم - على حسن الأدب بالسنة في تفريق اللفظ بين سؤالين : فإذا سألت أخاك عن حاله قلت : مالك ؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي قتادة : ( مالك يا أبا قتادة ؟ ) وإذا سألت غيره عن حاله قلت : ما بال أبي فلان ؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : ( ما بال أبي عمير ؟ ) . [ 39 ] وفي سؤاله صلى الله عليه وسلم من سأل - عن حال أبي عمير - دليل على إثبات خبر الواحد . [ 40 ] وفيه دليل على أنه يجوز أن يكنى من لم يولد له ، وقد كان عمر بن الخطاب يكره ذلك حتى أخبر به عن النبي صلى الله عليه وسلم . [ 41 ] وفي قوله : ( مات نغيره الذي كان يلعب به ) : تركه النكير بعد ما سمع ذلك صلى الله عليه وسلم دليل على الرخصة في اللعب للصبيان . [ 42 ] وفيه دليل على الرخصة للوالدين في تخلية الصبي وما يروم من اللعب إذا لم يكن من دواعي الفجور ، وقد كان بعض الصالحين يكره لوالديه أن يخلياه . [ 43 ] وفي دليل على أن إنفاق المال في ملاعب الصبيان ليس من أكل المال بالباطل ، إذا لم يكن من الملاهي المنهية . [ 44 ] وفيه دليل على إمساك الطير في القفص . [ 45 ] وقص جناح الطير لمنعه من الطيران ، وذلك أن لا يخلو من أن يكون النغيرة التي كان يلعب بها في قفص أو نحوه ، من شد رجل أو غيره ، أو أن تكون مقصوصة الجناح ، فأيهما كان المنصوص ، فالباقي قياس عليه ، يكره قص جناح الطائر وحبسه في القفص . [ 46 ] وفيه دليل على أن رجلا لو اصطاد صيدا خارج الحرم ثم أدخل الحرم ، لم يكن عليه إرساله ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الاصطياد بين لابتي المدينة ، وأجاز لأبي عمير إمساكه فيها . وكان ابن الزبير يفتي بإمساك ذلك ، ومن حجته فيه : أن من اصطاد صيدا ثم أحرم وهو في يده ، فعليه إرساله ، فكذلك إذا اصطاد في الحل ثم أدخله الحرم . وفرق الشافعي بين المسألتين كما وصفنا ، فقال : من اصطاد ثم أحرم والصيد في ملكه فعليه إرساله ، ومن اصطاده ثم أدخله الحرم فلا إرسال عليه . [ 47 ] وفي قوله : ( ما فعل النغير ؟ ) ، دليل على جواز تصغير الأسماء كما صغر النغيرة ، وكذلك المعنى في قوله : كان ابن لأبي طلحة يكنى أبا عمير . [ 48 ] وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مازحه بذلك يبكي ، ففي ذلك دليل على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر : ( إذا بكى اليتيم اهتز العرش ) ، ليس على العموم في جميع بكائه ، وذلك أن بكاء الصبي على ضربين : أحدهما : بكاء الدلال عند المزاح والملاطفة ، والآخر : بكاء الحزن أو الخوف عند الظلم أو المنع عما به إليه الحاجة ، فإذا مازحت يتيما أو لاطفته فبكى ، فليس في ذلك - إن شاء الله تعالى - اهتزاز عرش الرحمن . [ 49 ] وقد زعم بعض الناس أن الحكيم لا يواجه بالخطاب غير العاقل . وقال بعض أصحابنا ، ليس كذلك ، بل صفة الحكيم في خطابه أن لا يضع الخطاب في غير موضعه ، وكان في هذا الحديث كذلك دليل ، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم واجه الصغير بالخطاب عند المزاح فقال : ( ما بال أبي عمير ؟ ) . [ 50 ] وفيه دليل على أن للعاقل أن يعاشر الناس على قدر عقولهم ولا يحمل الناس كلهم على عقله . [ 51 ] وفي نومه صلى الله عليه وسلم عندهم دليل على أن عماد القسم بالليل ، وأن لا حرج على الرجل في أن يقيل بالنهار عند امرأة في غير يومها . [ 52 ] وفيه دليل على سنة القيلولة . [ 53 ] وفي دليل على خلاف ما زعم بعضهم في أدب الحكام أن نوم الحكام والأمراء في منزل الرعية - ونحو ذلك من الأفعال - دناءة تسقط مروءة الحاكم . [ 54 ] وفي نومه على فراشها دليل على خلاف قول من كره أن يجلس الرجل في مجلس امرأة ليست له بمحرم أو يلبس ثوبها وإن كان على تقطيع الرجال . [ 55 ] وفيه أنه يجوز أن يدخل المرء على امرأة في منزلها وزوجها غائب وإن لم تكن ذات محرم له . [ 56 ] وفي نضح البساط له ونومه على فراشها دليل على إكرام الزائر . [ 57 ] وفيه أن التنعم الخفيف غير مخالف للسنة . وأن قوله : ( كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وأصغى بسمعه ) ، ليس على العموم إلا فيما عدا التنعم القليل . [ 58 ] وفيه دليل على أنه ليس بفرض على المزور أن يشيع الزائر إلى باب الدار - كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتشييع الضيف إلى باب الدار - إذ لم يذكر في هذا الحديث تشييعهم له إلى الباب . [ 59 ] وقد اختلف أهل العلم في تفسير ما ذكر من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث هند بن أبي هالة : كانوا إذا دخلوا عليه لا يفترقون إلا عن ذواق : قال بعضهم : أراد به الطعام . وقال بعضهم : أراد به ذواق العلم . ففي تفسير هذا الحديث ، الدليل على تأويل من تأوله على ذواق العلم ، إذ قد أذاقهم العلم ولم يذكر فيه ذواق الطعام . [ 60 ] وكان من صفته صلى الله عليه وسلم أنه يواسي بين جلسائه ، حتى يأخذ منه كل بحظ ، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دخوله على أم سليم : صافح أنسا ، ومازح أبا عمير الصغير ، ونام على فراش أم سليم ، حتى نال الجميع من بركته صلى الله عليه وسلم ، وزاد على الستين فقال : [ 61 ] وإذا كان طلب العلم فريضة على كل مسلم ، فأقل ما في تحفظ طرقه أن يكون نافلة ، وفيه أن قوما أنكروا خبر الواحد واختلفوا فيه : فقال بعضهم بجواز خبر الاثنين قياسا على الشاهدين ، وقال بعضهم بجواز خبر الثلاثة ، ونزع بقول الله جل ذكره : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) ، وقال بعضهم بجواز خبر الأربعة ، قياسا على أعلى الشهادات وأكبرها ، وقال بعضهم بالشائع والمستفيض ، فكان في تحفظ طرق الأخبار ما يخرج به الخبر عن حد الواحد إلى حد الاثنين وخبر الثلاثة والأربعة ، ولعله يدخل في خبر الشائع المستفيض . [ 62 ] وفيه أن الخبر إذا كانت له طرق ، وطعن الطاعن على بعضها احتج الراوي بطريق آخر ولم يلزمه انقطاع ، ما وجد إلى طريق آخر سبيلا . [ 63 ] وفيه أن أهل الحديث لا يستغنون عن معرفة النقلة والرواة ومقدارهم في كثرة العلم والرواية ، ففي تحفظ طرق الأخبار ، ومعرفة من رواها ، ومعرفة كم روى كل راو منهم ما يعلم به مقادير الرواة ومراتبهم في كثرة الرواية . [ 64 ] وفيه أنهم إذا استقصوا في معرفة طرق الخبر عرفوا به غلط الغالط ، وميزوا به كذب الكاذب ، وتدليس المدلس . [ 65 ] وإذا لم يستقص المرء في طرقه واقتصر على طريق واحد كان أقل ما يلزمه أن دلس عليه في الرواية أن يقول : لعله قد روي ولم أستقص فيه ، فرجع باللائمة والتقصير على نفسه والانقطاع وقد حل لخصمه . [ 66 ] إن مثل هذا الحديث فيه تثبيت الامتحان ، والتمييز بيننا وبين أمثالهم ، إذا لم يهتدوا إلى شئ من تخريج فقهه ، ويستخرج أحدنا منه - بعون الله وتوفيقه - كل هذه الوجوه ، وفي ذلك وجهان : أحدهما : اجتهاد المستخرج في استنباطه ، والثاني : تبيين فضيلته في الفقه والتخريج على أغياره . والعين المستنبط منها عين واحدة ، ولكن من عجائب قدرة اللطيف في تدبير صنعه : أن تسقى بماء واحد ويفضل بعضها على بعض في الأكل . ( جزء فيه فوائد حديث أبي عمير ) : ص 19 - 35 .